ابن حمدون

407

التذكرة الحمدونية

الأمثال ، وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس . ثم خيلهم أفضل الخيول ، ونساؤهم أعفّ النساء ، ولباسهم أفضل اللباس ، ومعادنهم الفضة والذهب ، وحجارة جبالهم الجزع ، ومطاياهم التي تبلغ على مثلها السفر ويقطع بمثلها البلد القفر . وأما دينها وشريعتها فإنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من تمسكه بدينه أنّ لهم أشهرا حراما وبلدا محرّما وبيتا محجوجا ينسكون فيه مناسكهم ، ويذبحون ذبائحهم ، فيلقى الرجل قاتل أبيه وأخيه - وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك دمه - فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله . وأما وفاؤها فإنّ أحدهم يلحظ اللحظة ويومىء الإيماءة فهي عقدة لا يحلَّها إلا خروج نفسه ، وإنّ أحدهم يرفع عودا من الأرض فيكون رهنا في يده ، فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمّته ، وإن أحدهم يبلغه أنّ رجلا استجار به ، وعسى أن يكون نائيا عن داره ، فيصاب فلا يرضى حتى تفنى القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما يخفر من جواره ، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث عن غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله . وأما قولك أيها الملك إنهم يئدون أولادهم من الحاجة فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج . وأما قولك إنّ أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها ، فما تركوا ما دونها إلا احتقارا له ، فعمدوا إلى أجلَّها وأفضلها فكانت مراكبهم وطعامهم ، مع أنها أكثر البهائم شحوما ، وأطيبها لحوما ، وأرقّها ألبانا ، وأقلَّها غائلة ، وأحلاها مضغة ، وأنه لا شيء من اللحم يعالج بما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه . وأما تحاربهم وقتل بعضهم بعضا وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم ، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من أنفسها ضعفا وتخوّفت نهوض عدوّها إليها بالزحف ، وإنه إنما تكون المملكة العظيمة لأهل بيت واحد يعرف فضله على سائرهم ، فيلقون إليه أمورهم وينقادون إليه بأزمتهم . فأما العرب فإنّ ذلك كثير فيهم ، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين ، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطء والعسف . فأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى الملك إليها